أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

اللّه في الخلق وأسباب الرزق أن مشيئته تعالى لا تكون إلا بمقتضى سننه في ارتباط الأسباب بالمسببات مع الحكمة في ذلك ، لا أنه يأتيها بمحض قدرته سواء طلبته أم لا . ( وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها ) أي ويعلم حيث تستقر وتقيم ، وحيث كانت مودعة إلى حين ، ويرزقها في كلتا الحالين . ( كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) أي كل الدواب وأرزاقها ومستقرها ومستودعها ثابت مرقوم في كتاب مبين أي في لوح محفوظ كتب اللّه فيه مقادير الخلق كلها . ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أي في ستة أيام من أيام اللّه في الخلق والتكوين وما شاء من الأطوار ، لا من أيامنا في هذه الدار التي وجدت بهذا الخلق لا قبله ، فلا يصح أن تقدر أيام اللّه بأيامنا ، ويؤيد هذا قوله تعالى : « وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » وقوله : « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » . وقد أثبت علماء الفلك أن أيام غير الأرض من الكواكب التابعة لنظام شمسنا تختلف عن أيام هذه الأرض في طولها بحسب أجرامها وأبعادها وسرعتها في دورانها ، وأن أيام التكوين بخلقه تعالى من الدخان الذي يعبرون عنه بالسديم شموسا مضيئة تتبعها كواكب منيرة - يقدر اليوم منها بألوف الألوف من سنينا هذه . ( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) أي وكان سرير ملكه في أثناء هذا الطور من خلق هذا العالم أو من قبله على الماء ، وعرش الرحمن من عالم الغيب الذي لا ندركه بحواسنا ، لا نستطيع تصويره بأفكارنا ، فلا نعلم كنه استوائه عليه ولا صدور تدبيره لأمر هذا الملك العظيم ، ومن ثم روى عن أمّ سلمة رضى اللّه عنها وعن مالك وربيعة قولهم : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول . ومن الآية نعلم أن الذي كان دون العرش من مادة الخلق قبل تكوين السماوات والأرض هو الماء الذي جعله اللّه أصلا لخلق جميع الأحياء كما قال : « أَ وَلَمْ يَرَ